نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

الحرب الإسرائيليّة المستمرّة على لبنان

أيُّ معاناة للأطفال؟

 
(كيفون، لبنان. 11 نيسان/ أبريل 2026. دفتر ملاحظات لطفل يظهر بين الأنقاض، وذلك بعد ثلاثة أيام على غارة جوية إسرائيلية استهدفت صيدلية وأسفرت عن استشهاد العشرات. تصوير سالي هايدن/سوبا إيماجز/لايت روكيت عبر غيتي إيماجز.)

25 أيّار/ مايو 2026

إعداد «قسم الإعلام والتواصل» في «الشبكة العربية للطفولة المبكّرة»

يقترب لبنان من إتمام ثلاثة أشهر على توسيع إسرائيل حربَها عليه منذ 2 آذار/ مارس 2026، وتجاوُزِ الشهر ونصف الشهر على دخول الهدنة حيّز التنفيذ ثمّ تمديدها لمرّتين. إلى جانب آلاف الهجمات حتى تاريخه، سجّل يوم 8 نيسان/أبريل واحدةً من أعنف الهجمات الإسرائيلية على لبنان. خلال عشر دقائق، أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 100 غارة على مختلف المناطق اللبنانية في عمليّةٍ سمّتها إسرائيل «الظلام الأبديّ». في حصيلةٍ غير نهائيّة حتى اليوم نتيجة وجود عالقين تحت الأنقاض، خلّفت العمليّة حوالي 400 شهيد بينهم عشرات الأطفال وآلاف الجرحى. طالت الاستهدافات مبانٍ وأحياءً بأكملها من دون «إنذارات مبكّرة» كتلك التي تتباهى بها إسرائيل، في وقتٍ كانت مؤسسات دوليّة، على رأسها «منظّمة العفو الدوليّة»، أشارت إلى أنّ تلك الإنذارات «مضلّلة وغير كافية».

نظريًّا، لبنان اليوم في مرحلة «وقف إطلاق النار». عمليًّا، أطفالُه وأسرُه، لا سيّما الموجودون في المناطق والقرى التي تتعرّض إلى عدوانٍ إسرائيليّ، يعيشون تحت النار والتهديد، في سيناريو مشابه لقطاع غزّة الذي ما زال يشهد المجازر حتّى تاريخ إصدار التقرير.

صغارُ لبنان أكبرُ ضحاياه

«إنّ الأطفال في لبنان لا يزالون يدفعون الثمن الأكبر جرّاء استمرار العنف والنزوح والتعرّض إلى أحداثٍ صادمة»، تقول «اليونيسف» ملخّصةً الوضع المأساويّ الذي ما زال يعيشه الأطفال، لا سيّما في المناطق التي تتعرّض إلى اعتداءاتٍ إسرائيليّة.

في الأرقام المرتفعة باضطراد، تجاوز عددُ الشهداء، منذ 2 آذار/ مارس 2026 حتّى تاريخه، 3,111 بينهم ما لا يقلّ عن 200 طفل. أمّا الجرحى فحوالي 9400، بينهم أكثر من 800 طفل، بحسب بيانات وزارة الصحّة العامّة اللبنانية و«وحدة إدارة مخاطر الكوارث». في السياق، تفيد «اليونيسف» باستشهاد أو إصابة ما معدّله 14 طفلًا يوميًّا منذ توسّع الاعتداء على لبنان في 2 آذار/مارس، و4 أطفال يوميًّا في الأيام الـ25 الأولى منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ منتصف ليل 16 نيسان/ أبريل 2026.

على مستوى النزوح، يعيش لبنان أسوأ أزمة منذ عقود. بحلول 18 أيّار/ مايو، وثّقت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص، بينهم عشرات آلاف الأطفال، توزّع أكثر من 130 ألفًا منهم على 635 مركزًا. وأتى النزوح إمّا بفعل القصف الإسرائيلي المباشر وتدمير المنازل وسُبل الصمود وتفجير أحياء بكاملها، أو بسبب إنذارات الإخلاء القسري الجماعيّ الإسرائيليّة التي طالت مناطق واسعة من لبنان.

بعد الهدنة، استمرّت هذه الأوامر بالصدور فتجاوزت ستّة أوامر جديدة شملت 27 منطقة على الأقلّ. ومنذ ذلك الوقت، ارتفع عدد العائلات المقيمة في مراكز الإيواء الجماعيّة بنسبة 5%. ويوجد حاليًّا حوالي 44,800 طفل في هذه المراكز. ويعيش آلاف الأطفال في هذه المراكز منذ شهرين في ظلّ ظروف مكتظّة وتدنّي مستويات المياه والصرف الصحّي والنظافة العامّة ممّا أدّى إلى تسجيل حالات إصابة بالجرَب وارتفاع المخاوف الصحيّة.

إلى ذلك، يمثّل الاستهداف الإسرائيلي للقطاع الصحّي في لبنان انتهاكًا صارخًا لجميع المواثيق الدولية والاتفاقيات الإنسانية. وقد طالت الاستهدافات مستشفيات حكومية وخاصّة وأُجبر العديد منها على الإغلاق القسري أو تقليص الخدمات، وطالت الاستهدافات كذلك مراكز الرعاية الصحية الأوّليّة ومستودعات الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية. ويأتي الاستهداف المتعمد والمباشر لطواقم الإسعاف والدفاع المدني أثناء أداء واجبهم الإنساني ليعمّق حجم المأساة، إذ أسفرت هذه الهجمات عن سقوط مئات الشهداء والجرحى من المسعفين والأطباء والممرّضين. إنّ التدمير المتعمّد للبنية التحتية الطبية لا يهدف فقط إلى شلّ القدرة الاستيعابية للمنظومة الصحية في لحظات حرجة، بل يسعى إلى حرمان المدنيين والأسر والأطفال من حقهم الأساسي في العلاج والرعاية الطبية الطارئة، ممّا يضاعف من وطأة المعاناة الإنسانية ويدفع بالبلاد نحو كارثة صحية عميقة.

على المستوى التعليمي، أدّت الحرب الإسرائيلية إلى تعطيلٍ واسع للعملية التعليمية إذ يواجه التلاميذ واقعًا معقّدًا بين النزوح والتعليّم عن بُعد بشكل متقطّع وغير ثابت، وتحوُّل مئات المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين.

بحسب «اليونيسف»، وضعت الحرب نحو نصف مليون تلميذ خارج مدارسهم بعد أن تحوّلت مئات المدارس الرسمية لاستقبال النازحين. ولم يُقلّص اعتماد التعليم عن بُعد من حجم التحديات، ذلك أنّ هذا المسار بقي محفوفًا بالعوائق بسبب ظروف النزوح، سواءً للتلاميذ أو المدرّسين/ات، وانقطاع التيار الكهربائي وضعف شبكة الانترنت بشكل كبير في ظلّ ظروف القصف والتهديد المستمرّ. وأدّى استمرار العملية التعليمية في بعض المدارس خلال فترة الحرب إلى اتّساع الفجوة بين الأطفال الذين استأنفوا دروسهم والأطفال النازحين الذين لم يتمكّنوا من ذلك، ما يؤثّر على حقّ المساواة في التعليم.

إلى ذلك، تسبّبت الضربات الإسرائيلية، وبعضها مباشر، في دمارٍ واسعٍ للمؤسسات التعليمية في قرى جنوب لبنان تحديدًا، ما يضع تحدّيات كبيرة على استمرار العملية التعليمية لاحقًا. يُضاف إلى ذلك قرار زيادة الأقساط للعام المقبل في بعض المدارس الخاصّة، ما يضع عبئًا ثقيلًا على الأهل.

على المستوى النفسي، تقدّر «اليونيسف» أنّ حوالي 770 ألف طفل في لبنان يعانون من ضغوط نفسيّة متفاقمة نتيجة التعرّض المتكرّر للعنف والفقدان والنزوح. ويُبلّغ الأطفال ومقدّمو/ات الرعاية عن أعراض مرتبطة بالصدمات النفسية والحزن، ويفيد الأهل بانتشار تغيّرات سلوكيّة واسعة النطاق بين الأطفال المقيمين في مراكز الإيواء الجماعيّة نتيجةً لغياب الروتين اليوميّ وتراجع الارتباط بالأنشطة المدرسيّة، وتشمل هذه التغيّرات فقدان الشهيّة واضطرابات النوم.

توضح «اليونيسف» أنّ تأثير التعرّض المتكرّر للنزاع على الصحّة النفسيّة للأطفال قد يكون عميقًا وطويل الأمد، محذّرةً من أنه من دون توفير خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ضمن بيئات آمنة ومستقرّة وبشكل عاجل، فسيواجه هؤلاء الأطفال خطرًا حقيقيًّا يتمثّل في تطوّر مشكلات نفسية مزمنة قد تستمرّ مدى الحياة.

وكانت الأدلّة المستقاة من التقييم السريع المُركّز على الأطفال الذي أجرته «اليونيسف» عام 2025 قد أشارت بالفعل إلى تدهور حادّ في الصحة النفسية للأطفال بعد الحرب الإسرائيلية عام 2024. وقد أفاد حينها 72% من مقدّمي/ات الرعاية بأنّ أطفالهم يعانون من القلق والتوتّر، بينما قال 62% إنّ أطفالهم يعانون من الاكتئاب أو الحزن.

معركة استعادة الأمان المسلوب
تتجاوز التحدّيات المقبلة التي تواجه الأسر في لبنان حدود مرحلة الهدنة لتلامس عمق البنية التحتية لحياة أطفال لبنان ومستقبلهم. اليوم، يجد الأهل ومقدّمو/ات الرعاية أنفسهم أمام مسؤوليات وتحديات مضاعفة لإعادة بناء ما دمّرته الحرب في ظلّ ظروف اقتصاديّة ومعيشية خانقة.

إنّ التدمير الممنهج للقطاع الصحّي يعيق قدرة الأهل على تأمين الرعاية الصحية الأساسية والطارئة لأطفالهم في ظلّ الحرب، بالتوازي مع أعباء تعليمية قاسية تضع مستقبل مئات آلاف الأطفال على المحكّ. وبينما يتكدّس آلاف الأطفال في مراكز إيواء مكتظّة تفتقر إلى شروط النظافة والصرف الصحّي، لا تتجاوب الجهات الرسمية مع تأمين متطلّبات النازحين كما يجب، إذ بلغ متوسّط إنفاق الحكومة اللّبنانيّة 50 دولارًا أميركيًّا لكلّ نازح منذ توسّع الحرب مطلع آذار/ مارس حتى الأسبوع الثالث من شهر أيار/مايو، وفق تصريحات وزير المال اللبناني.

كلّ هذا وأكثر يضع عبئًا كبيرًا على الجهات المعنيّة بقطاع الطفولة المبكّرة، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، في ظلّ تضاؤلٍ كبيرٍ في التمويل، ويجعل المعركة المقبلة معركة استعادة الأمان المسلوب لكلّ طفلٍ ومقدّم ومقدّمة رعاية في لبنان.