يوسف واحدٌ من... «أسماء الناس الحُسنى»
د. زاهي عازار/ منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا: رئيس «الحملة العربية للتعليم للجميع»، ورئيس «الشبكة العربية للتربية الشعبية»
9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026
لم أكن أعرف أنّ ليوسف هذه المكانة في قلبي، إلا بعدما فُجعت بنبأ مغادرته هذا العالم.
لم يكن يوسف يومًا كالباقين. لقد حمل في حضوره ملامح مميّزة ارتسمت فيها سكينةٌ جذابةٌ تدعو كلّ الذين يعيشون في الضوضاء حولَه إلى ملاقاته والتعرّف إليه. يُقال إنّ كاريزما مشعّة كانت عنده. لم يكن يوسف يشبه إلا نفسه.
هذه انطباعات بدأت تطفو على سطح قلبي بعدما فوجئت بأنه غادرنا…
من عرف يوسف عن كثب، كان يتعرّف تدريجيًّا على إنسان لا يحبّ المجاهرة بمكنوناته أو طاقاته أو مشاعره. يوسف كان دائمًا ميّالًا إلى الصمت، ونادرًا ما تتكشّف فيه مخزونات إنسانية وروحية عميقة، عميقة جدًّا.
محبّته تلامسكَ منذ لحظة لقائه. تمايز يوسف عن غيره برعايته واستقطابه الجميع، أصدقاء وغرباء. يشعر كلّ من يلتقيه بمحبّة مشاعره تجاهه، ويفرح بالوقت الذي يمضيه معه دومًا على أمل لقاءٍ جديد.
قلّما تحدّث يوسف عن تاريخه الشخصي والروحي والفكري والإنساني، الذي تأسّس على مسيرة إيمانيّة مسيحيّة صلبة. تطوّر يوسف إيمانيًّا حتى تشرّب أهمية لقاء الآخر، مسيحيًّا كان أم مسلمًا أم علمانيًّا أم تابعًا لأيّ ديانة.
مع يوسف كان الناس يشعرون بغناه الثقافي والروحي والفكري. وقد استراح يوسف أكثر في التعبير عن هذا الغنى كتابةً، الأمر الذي جعله تدريجيًّا يلتزم بـ«ورشة الموارد العربية» لسنين طويلة.
لقد ارتكز يوسف، في العمق، على صخرة إيمانيّة صلبة نشأت وتطوّرت في مختلف مراحل حياته. ووجد نفسه قريبًا وملتزمًا مع كثير من الشخصيات والأفراد، المسيحيّين المتديّنين والعلمانيّين، الذين كانوا يبحثون عن أبعاد أخرى للالتزام.
نشط يوسف في «تجمّع المسيحيّين الملتزمين»، قبل بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، ومن ثمّ انخرط في العمل المسكوني في لبنان، ومنه صار أمينًا عامًّا مشاركًا في «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلبة»، ومركزه جنيف. وظلّ في هذا المنصب متفاعلًا مع قناعاته، يتأثّر ويؤثّر في هذه الجماعة الطلّابية التي كان لمعظم أعضائها تأثير ملموس خلال تلك الحقبة، في الكنيسة وحولها وخارجها.
خلال سنوات إقامة يوسف خارج المنطقة العربية، حمل مشرقيّته وأخلاقياته المسيحية العربية إلى دوائر الشهادة في هذا العالم. كان يعلّم ويتعلّم ضمن مختلف الأحداث والالتزامات التي عاشها. ومن ثم عاد إلى بيروت، وكان سكرتيرًا إقليميًّا للاتحاد، وسط الحرب التي كانت تعيشها بيروت ومختلف المناطق اللبنانية.
حمل يوسف قضيّة الحفاظ على المكتب التاريخي للاتّحاد في منطقة رأس بيروت؛ ليس فقط بصفته معلَمًا بل بصفته موقعًا حيًّا للّقاء والحوار، وذلك وسط المواجهات العسكرية والسياسية والحروب وجنون الانتماءات الطائفية والفئوية.
نجح يوسف، نسبيًّا، في رفع هذا التحدّي، فبقي المكانُ شاهدًا على عمق إرادته وصدق التزاماته: اللّقاء والحوار مع الآخرين، كلّ الآخرين.
لكنّ يوسف كان يجهل الثمن، فهُدّد مرارًا وطُرد من منزله وسط ويلات الحرب والصراعات الدائرة. ومع ذلك، حافظ يوسف خلال هذه المرحلة على الموقع ورمزيّته المسيحيّة، وأرادها أن تبقى حاضرة وشاهدة ومحاوِرة وفاعلة وسط كلّ ما كان يدور، على مستواه الشخصي وعلى مستوى البلد. وظلّ المكتب على صورة يوسف مركزًا للّقاء والحوار للجميع، متحدّيًا بصمت وتواضع كلّ ما كان يدور.
لقد حمل يوسف حجّار هذه القضية، ورفعها متحدّيًا الحرب.
وفي تفاعله مع قناعاته وخصوصيّة شخصيّته، ظلّ منكَبًّا على أهمية التزام الآخر، وصار بشكل تدريجيّ مدافعًا عن الحقوق، وساهم في نشاطات ومشاريع عدّة في وطن كان يبحث عن نفسه باستمرار.
وسطّ كل هذا، نما في يوسف بُعدٌ فنّي، وجد نفسه يطوّره ضمن بساطة وخفَر ملفتَين. صار يغنّي ويدندن على العود، وأتقن الكثير من الأغاني وأداء الألحان. وقد تكامل هذا البعد الفنّي مع حبّه للقاء الناس والحوار وبلاغة التعبير.
تلازم هذا البعد كذلك مع قناعاتٍ عدّة. غنّى للشيخ إمام ولمغنّين من الزمن الجميل وأتقن الأداء. ومن حيث يدري أو لا يدري، وظّف ذلك في إرساء مشرقيّته وعروبته، خاصةً أنه كان من خلاله يتحدّث بصمت عن انتمائه إلى الروح الدمشقيّة، حيث ترعرع وتعلّم الكثير، وكان دومًا يلتفت، بأسًى وشيء من الحزن، إلى حيث نشأ.
تكامل هذا البُعد مع ذاك الانتماء المسيحيّ المشرقيّ الذي غرق في كثير من التحديات والانكسارات. وعلى الرغم من كلّ شيء، غنّى يوسف ودندن على العود للأحبّة والبلاد والمستقبل.
ظلّ يوسف، في التعبير عن انتمائه، يُجيد، وبإتقانٍ لافت، أداءَ «أسماء الله الحسنى». وصار الجميع دومًا يطلبونها منه، وهو يؤدّيها بفرح، حاملًا أحيانًا سُبحته، وأحيانًا أخرى مرتديًا معها الدشداشة، وتعلو وجهه نظرته المحبّة وابتسامته المعانِقة. وغالبًا ما كان يُطلب منه، في أيّ لقاء أو اجتماع أو جلسة، أن يُسمعهم مجوّدًا «أسماء الله الحسنى» التي عُرف بها.
يوسف العزيز، الحبيب، يغادرنا، لكنّه يبقى حيًّا في مكان ما، داخل قلوبنا، وبقوّة.
أبو الزوز كان يجيد «أسماء الله الحسنى» التي عُرف بها، لكن يبقى في وجداننا ووجدان كثيرين واحدًا من «أسماء الناس الحسنى».
ليكن ذكره مؤبدًا.