أيّها المَنفيّ الذي مَلأ المكان (فادية حطيط/ لبنان)
د. فادية حطيط/ لبنان: أستاذة الطفولة المبكّرة في «الجامعة اللبنانيّة» وعضوة في
«مجموعة البحوث للشبكة العربية للطفولة المبكّرة»
12 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026
يوسف حجّار، من أنت؟
التقيتك مرّات قليلة، لكن هل عرفتك حقًّا؟ هناك صورة تكوّنت لديّ، ولا أعرف من أيّ عناصر تشكّلت. في خيالي، أراك دائمًا في المنفى. عربيّ غادر أرضه ويسكنه الحنين. يضيء وجهه حين يتكلّم باللغة العربية، ويستغلّ اللحظات التي تتاح له كي يطلق لسانه بها. يتكلم مسهبًا، ومن فرط سعادته بها يغنّي.
يوسف حجّار، أيها العربي، من أيّ بلد أنت؟ في خيالي، كنتَ مترددًا بين أن تكون سوريًّا أو لبنانيًّا أو فلسطينيًّا. وأنا قررتُ أنك لبنانيّ لأنك قريب المعشر ودود، وأنك فلسطينيّ لأن فيك حنين شاعري، وأنك سوريّ لأنك عربيّ الهوى.
يوسف حجّار، أيها الطفل الكبير، لماذا اخترت الطفولة دربًا للعطاء؟ في خيالي، أنت ألطف من أن تتعارك مع السنين. لذلك تركت للطفولة أن تنمو في داخلك، وجعلتها موضوعك الأثير، فالأطفال هم الأمل، ومن كان مثلك صادقًا شفافًا معطاءً لن يضلّ السبيل.
يوسف حجّار، أيها المهاجر، هل وفّقت بين أن تكون إنكليزيًّا وعربيًّا في آن؟ في خيالي أنت لم تستطع التوفيق. حتى وأنا أتذكرك الآن لا تحضرني عبارة إنكليزية نطقتَ بها. أعطيتَ اللغة العربية القلب، وكلّما تسنّى لقلبك أن يدقّ، كانت دقّاته بحروف عربية.
يوسف حجّار، أيها المنفي، ما الذي جعلك تختار الرحيل؟ في خيالي، أنت مناضل عتيق أتعبه أفول النضال، لذلك لملمت أوراقك وحملت حقيبتك ومشيت. وبقيت شخصيتك تحمل أثر ذلك الزمن العتيق ولم تأبه للتغيير الذي طرأ.
يوسف حجّار، رفيق «ورشة الموارد العربيّة»، كيف تقبّلتَ ضمورها؟ في خيالي، في تلك اللّقاءات القصيرة كانت الورشةُ موضوعَك الأثير. لقد أعطيتها كلّ حبّك، وكنت مرتبكًا إزاء «الشبكة العربية للطفولة المبكّرة»، إذ لا طاقة لمن فاته الشباب.
يوسف حجّار، أيها النبيل. أعذر خيالي إنْ رَسم لك صورةً ليست على ما يكفي من الدقّة. ثمّة أناسٌ لا يحتاجون إلى تعريف. تَراهم فيفيضون بما فيهم. وإنْ سهوتَ عن بعض التفاصيل، لا هَمّ، إنّ بعضَهم كثير.
يوسف حجّار، أيها الغائب الذي كنتَ حين تحضر تملأ المكان. سنفتقدك.

(عمّان، 2017)