نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

رفح: إبادة تهدّد أكثر من 600 ألف طفل  

 

«من الصعب تصوّر تدهور الأمور أكثر ممّا كانت عليه خلال الأشهر الأربعة الماضية بالنسبة لسكّان غزّة، ولكن في حال توسّعت القوّاتُ الإسرائيلية إلى رفح، فإنّ ما يحدث بعد ذلك سيتجاوز أسوأ كوابيسنا» (منظّمة «أنقِذوا الأطفال» Save the Children)

من بين المليون و500 ألف نسمة المحشورين اليوم في رفح أقصى جنوب قطاع غزّة، هناك أكثر من 600 ألف طفل. يتوزّع هؤلاء على خيمٍ مؤقّتة أو يفترشون الهواء الطلق ضمن مساحةٍ لا تتعدّى 55 كيلومترًا، أيّ أقلّ من خُمس إجمالي مساحة القطاع. هذا يعني أنّ الكثافة السكّانية لرفح، التي تستضيف أكثر من نصف سكّان القطاع، فاقت 27 ألف نسمة/ كم المربّع. يأتي هذا بينما يبلغ متوسّط الكثافة السكانية لعام 2024 على الصعيد العالميّ 62 شخصًا لكلّ كم مربّع.

وبينما يهدّد الجيش الإسرائيليّ بشنّ عمليّةٍ بريّة في المحافظة، تزامنًا مع المجازر المروّعة التي يرتكبها هناك، يتصاعد التحذيرُ الدولي، ومنه تحذيرات المنظّمات الإنسانيّة والإغاثيّة، من خطورة الأمر على المهجّرين وأغلبهم من الأطفال والنساء. وقد تحدّثت الأمم المتحدة عن وضعٍ كارثيّ في المدينة في حال تنفيذ العمليّة البرّية، مؤكّدةً استحالة حماية المدنيين بسبب الكثافة السكانية. وأعلنت منظّمة «أنقِذوا الأطفال» Save the Children أنّ «80% من سكّان القطاع، ونصفهم من الأطفال، باتوا محشورين في هذه المنطقة، وذلك مع إخبار السلطات الإسرائيلية سكّانَ غزة أنّ رفح مكانٌ آمن». كما حذّرت «اليونيسف» من تصعيد القتال في رفح، مشدّدةً على أنّ ذلك «سيشكّل منعطفًا مدمّرًا آخرَ في الحرب»، داعيةً «بشكلٍ عاجلٍ إلى الامتناع عن التصعيد العسكري حيث نزح أكثر من 600 ألف طفل وأسرهم، العديد منهم أكثر من مرّة».

وأبدت «الأونروا»، من جهتها، تخوّفًا كبيرًا من «إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق بين (النازحين في رفح)»، محذّرةً من أنّ ذلك سيؤدّي إلى «تفاقم الكابوس الإنساني بشكلٍ كبير»، و«إلى هجرة مئات ومئات الآلاف مرّةً أخرى». وتشير الأرقام إلى أنّ العديد من القابعين في رفح حاليًّا سبق أن تهجّروا أكثر من ستّ مرّات منذ بدء الحرب الحاليّة بفعل الضربات الإسرائيلية. 

الوضع الإنساني في رفح كارثي. يتكدّس النازحون والأطفال وسط أسوأ ظروفٍ معيشيّة، ويعانون نقصًا حادًّا في الإمدادات الطبية والصحية والغذائية مع خروج أغلب المستشفيات عن الخدمة. وقد أبدت «الأونروا» مخاوفها إثر «الارتفاع المثير للقلق في معدّلات الإصابة بالإسهال والتهاب الكبد الوبائي A في رفح». 

وفي ظلّ هذه الظروف المأساويّة، يتحدّث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن «ممرّاتٍ آمنةٍ» للنازحين وعن مناطق في شمال رفح «تمّ تطهيرها ويمكن استخدامها كمناطق آمنة للمدنيين». هذا يشمل أكثر من مليون نازح سبق أن هجّرهم الاحتلال من الشمال إلى الجنوب، ثمّ إلى أقصى الجنوب، في ما وصفه بـ«المناطق الآمنة». وهذا يعني نقل أكثر من مليون شخص، نصفهم من الأطفال، إلى مساحةٍ ضيّقةٍ للغاية يستحيل أن تتّسع لهذا العدد الهائل وفي ظلّ غياب أبسط مقوّمات العيش.

في الإطار، أعلنت وكالات الإغاثة أنها لا تستطيع نقل الناس إلى مناطق أكثر أمانًا لأنّ القوّات الإسرائيلية متمركزة في الشمال، وأنّ المساعدات المسموح دخولها إلى القطاع محدودة للغاية. كما أكّدت «الأونروا» عدم قدرتها «على إدارة العمليّات بشكلٍ فاعلٍ وآمنٍ من مدينةٍ تتعرّض لاعتداءٍ من الجيش الإسرائيليّ». وحذّرت منظمة «أنقِذوا الطفولة» من أنّ «العمليات العسكرية الإسرائيلية الموسّعة في رفح – نقطة الدخول الرئيسية للمساعدات إلى غزة– تهدّد الآن بمزيد من عرقلة تقديم المساعدات في جميع أنحاء القطاع المحاصر لأنه سيكون من المستحيل على عمّال الإغاثة تقديم المساعدات بأمان وفعالية».

إلى ذلك، تستمرّ المجازر الإسرائيلية جنوبًا في مختلف المحافظات والمناطق، ومنها قصف المستشفيات والمدارس مع وقوع ضحايا. وقد أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة في غزّة نفاد الطعام لدى الطواقم الطبية في «مجمّع ناصر الطبي» بخان يونس.

أطفال الشمال لا يجدون علَفًا للأكل

شمالاً، أوضاع السكّان والأطفال أصعب من أن توصف، حدّ إعلان وزارة الصحة الفلسطينية في غزّة أنّ السكّان لا يستطيعون العثور حتّى على علفٍ (للحيوانات) كي يأكلونه.

قطاعُ غزّة جائع. وفق خبراء أمميّين، يمثّل سكّان القطاع 80% من جميع الأشخاص في العالم الذين يواجهون خطر المجاعة أو الجوع الكارثي، بينما يتعرّض جميع الأطفال تحت سنّ الخامسة، البالغ عددهم 335 ألفًا، لخطر الإصابة بسوء التغذية الحادّ مع زيادة الظروف المؤدّية للمجاعة. 

في الإطار، حذّر «برنامج الأغذية العالمي» أنّ قطاع غزة قد ينزلق إلى المجاعة بحلول شهر أيار/ مايو. وفي ورقة سياسات بعنوان «قطاع غزة: مسرحًا لإبادة جماعية منذ السابع من أكتوبر ومنطقة مجاعة محتملة في السابع من فبراير»، أوضح «المرصد الأورومتوسّطي لحقوق الإنسان» أنّ «تجويع إسرائيل للسكان المدنيين في قطاع غزة سيترك آثارًا طويلة المدى ولا يمكن تداركها».  

وكان«المرصد» قد وثّق وفاة عدّة رضّع وأطفال وكبار في السنّ جوعًا في مناطق متفرّقة من القطاع، أبرزها شمالاً وفي المناطق الوسطى. يأتي هذا بينما أعلنت «الأونروا» أنّ شحنة طعام عالقة على ميناء أسدود منذ أسابيع بسبب منع إسرائيل دخولها إلى غزة، موضحةً أنّ من شأن الشحنة تأمين طعام لـ1.1 مليون فلسطيني لمدّة شهر. الجدير بالذكر أنّ العديد من أكبر الدول المموّلة لـ«الأونروا» علّقت تمويلها للمنظمة التي يُعتبر عملها حيويًّا لدعم سكان قطاع غزة وللّاجئين في الخارج.