نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

في ذكرى رفيق الدرب يوسف حجّار: إرث من الدفء والرؤية الثاقبة والأثر العميق (د. غسّان عيسى)

 

د. غسّان عيسى

المنسّق العام

«الشبكة العربية للطفولة المبكّرة» («ورشة الموارد العربيّة»)
9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026

 

منذ أن رحل في مدينة بافوس بقبرص، وأنا أتأمّل تلك الكلمات الموجعة ومشاعر الرثاء الصادقة التي يشاركها الأصدقاء والشركاء والزملاء من كلّ بقاع الأرض. 

أقف اليوم لأكرّم حياةً استثنائيةً وذكرى لا تُمحى لصديق العمر، يوسف. 

لم يكن صديقي يوسف مجرّد شريكٍ مؤسّس لـ«ورشة الموارد العربيّة»، أو رئيسًا لمجلس إدارة المجموعة الاستشارية العالمية لتنمية الطفولة المبكّرة، أو عضوًا في المجلس الاستشاري لـ«الشبكة العربية لتنمية الطفولة المبكّرة»؛ بل كان، وقبل كلّ شيء، رائدًا صلبًا لم يحِدْ يومًا عن الدفاع عن حقوق الطفولة والكرامة الإنسانيّة.

إنّ حياة يوسف وقيادته وذكراه الباقية في القلوب تتجلّى في سمات جوهريّة تردّدت أصداؤها في كلّ دمعة وكلّ كلمة قيلت في رثائه:

١. الإنسان الذي عرفتُه: نبل الأخلاق ودفء الروح والاحتضان الصادق

لقد أحبّ الجميعُ يوسف، ليس فقط لإنجازاته، بل لجوهر روحه، ذاك الإنسان الذي طاف قلبه باللّطف المتناهي والحكمة الهادئة والأخلاق العميقة.

  • بوصلة أخلاقية وقدوة: لطالما أدهشني وألهم من حوله بالتزامه الراسخ بالقيم الأخلاقية، إذ كان يقودنا بأفعاله قبل أقواله، مجسّدًا التوازن المثاليّ بين حياته الشخصية وعائلته من جهة، ورسالته الإنسانية من جهة أخرى.
  • الدفء والدعابة والفرح: خلف عقله الفذّ، كنت أرى دائمًا تلك الروح المرحة والغناء العذب والضحكة المعدية التي كانت تضيء الغرفة وتبثّ السكينة في نفوسنا جميعًا وتجعلنا نشعر بالأمان.
  • مرشد روحيّ ملهم: لن أنسى أبدًا كيف كان يأخذنا «تحت جناحه الحاني»، سواءً حين استقبلني شابًّا في الثلاثين عند أوّل لقاءٍ لنا منذ أكثر من أربعين عامًا، أو حين كان يوجّه قادةً عالميّين في مجتمع الطفولة. 

لقد ألهمنا جميعًا لنصبح بشرًا أفضل.

٢. الرؤية الفذّة: عقلٌ لا يساوم وإيمانٌ بالعدالة وفكرٌ سبّاق

كان يوسف يمتلك مزيجًا نادرًا من الالتزام الصلب بحقوق الإنسان، والعقل الاستراتيجي الهادئ الذي أعاد صياغة نظرة العالم لتربية ورعاية الطفولة المبكّرة.

  • شغف لا ينضب بالعدالة: كان عمل حياته نابعًا من إحساسٍ عميقٍ بالعدل، وإيمانٍ لا يتزعزع بالكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية لكلّ طفل.
  • فكر صافٍ وقيادة واعية: بصفته قائدًا محنّكًا ورائدًا عالميًّا، لطالما تميّز بنهجه الهادئ والعميق وشديد الذكاء في معالجة القضايا المعقّدة التي تمسّ الأطفال وعائلاتهم.
  • بناء آفاق جديدة: لم يرضَ قَطّ بالواقع المعتاد؛ بل أسّست قيادتُه الحكيمة تحالفاتٍ إقليميّةً وعالميّةً، مبتكِرًا أطرًا جديدةً للنهوض بالطفولة في منطقتنا العربية وخارجها.

٣. الأثر الخالد: من «الورشة» إلى رحاب «الشبكة» في البلدان العربية والعالم

يُقاس إرث يوسف بالأثر الملموس وبعيد المدى الذي تركه في المؤسّسات والمجتمعات لحياة الأطفال العرب وحول العالم.

  • مسار مجتمعيّ مبدع ورسالة عابرة للحدود: أقف اليوم أمام إرثه الأساسي بصفتي شريكًا مؤسّسًا، هو والصديق غانم بيبي، لـ«ورشة الموارد العربية» كي أشكرهما على ضمّي شريكًا مؤسّسًا معهما لـ«الورشة» منذ أكثر من أربعين عامًا.
  •   لقد كانت هذه الورشة تجسيدًا لمسار عمل مجتمعيّ مبدع لامس القلوب وبنى القدرات. ولم يقف طموحه العظيم عند هذا الحدّ، بل تبلور هذا الإبداع وتُوّج لاحقًا بإطلاق «الشبكة العربية للطفولة المبكّرة». لقد كانت الورشة التعبيرَ الحيّ والنبض المستمرّ لحمل رسالة «الورشة» من بيئتها المحليّة ونشرها في رحاب البلدان العربية والعالم بأسره، مؤكدًا أن العمل المجتمعيّ الصادق لا تحدّه حدود.
  • رائد عالمي للأطفال: بفضل عقود من الدفاع المخلص والقيادة المؤسسية، ساعد عملُه الكثير من الأطفال ليحظوا بحياة أفضل، وبيئات أكثر أمانًا، ومستقبل مشرق.
  • تأثير يمتدّ لأجيال: من خلال توجيه يوسف واحتضانه للشباب المدافعين عن حقوق الطفل لأكثر من أربعة عقود، بنى حركةً مستدامةً من القادة الذين يحملون اليوم أمانته ورؤيته.

حلم دمشق الذي لم يكتمل.. وحِمْل رسالته المستمر

كم يعزّ عليّ أن أتذكّر عهدنا الأخير؛ كنّا قد اتّفقنا أن نزور دمشقَ سويًّا بعد أن تحرّرت، أن نتنفّس ياسمينها معًا.. لكن شاءت الأقدار ألّا نحقّق هذا الحلم المشترك، وأن ترحل عنّي قبل أن نعانق شامَنا معًا.

لقد ترك يوسف بصمةً لا تُمحى في العمل الإنساني العربي والعالمي، وترك في قلب كلّ من عرفه فراغًا موحشًا يصعب ملؤه. وأبعثُ بأصدق مشاعري وأعمق مواساتي لزوجته «كيت»، التي منحته سعادة غامرة، وإلى كلّ من يبكيه اليوم.

كان أخي وصديقي ورفيقُ دربي ومرشدي يوسف حجّار صاحبَ قلبٍ نقيّ وروحٍ حكيمة. وعلى الرغم من افتقادي الشديد له ولأيامنا معًا، وعلى الرغم من غصّةِ حلم دمشقَ الذي انكسر برحيله، فإنّ رسالته التي حملها، ورؤيته وضحكاته وغناءه الشجيّ، ستظلّ المنارة التي تضيء طريقَ العمل الذي سنواصله وفاءً لذكراه.

(في «قهوة ريش»، القاهرة 2023) 

 

(على ضفاف نهر الأردن)

(على ضفاف نهر الأردن)