كلمة يوسف حجّار في رحيل عماد ثروت خليل
يوم الأحد ٢٢ تشرين الأول/أكتوبر 2017، غادرنا الزميل عماد ثروت خليل (١٩٥٣ – ٢٠١٧) من دون سابق إنذار.
نشأ عماد في المنية بصعيد مصر وتربّى في مدرسة اليسوعيين فيها، وحصل في ما بعد على دبلوم زراعة. أطول عمل له في بداية رحلته المهنية كان في «جمعية الصعيد للتربية والتنمية»، حيث راكم خبرة في العمل مع الشباب وفي التربية الشعبية بمقاربة باولو فريري لتعلّم الكبار، وطوّر كذلك قناعة راسخة في جدوى المشاركة في إدارة وحاكميّة مؤسسات المجتمع المدني. وهذا ما دفعه لاحقًا إلى تأسيس جمعية «سلامة موسى» مع مجموعة من الزملاء الذين يشاركونه هذا المسعى. في الفترة نفسها، أسّس أيضًا شركة «رؤى للاستشارات والتدريب» وعمل من خلالها في مختلف أوجه التنمية المجتمعية، في مصر وفي بلدان عربية مختلفة، مع المؤسسات الحكومية ومع هيئات الأمم المتّحدة والجمعيات الأهلية.
كان عماد مناضلًا في تطوير المجتمع عبر العمل مع الناس مباشرة، لاسيّما الشباب والأطفال، يسعى إلى بناء المواطنة المرتكزة إلى منظومة الحقوق. عمل مثلًا بطرق متنّوعة على نشر «اتفاقية حقوق الطفل» وتطبيقها. كان يقول:
«أهم مورد في مجتمعنا هو الشباب والأطفال، وعلى الحكومة أن تدلّلهم وتستثمر في بناء قدراتهم بالدرجة الأولى».
أنتج وشارك في تطوير عدد كبير من الموارد التنموية والتدريبية، ولعلّ من أعماله الأكثر دلالةً في السنوات الأخيرة البحث الذي أنتجه في «شهادات الفتيات والنساء» اللّواتي شاركن في ثورة ميدان التحرير. ولا بدّ من ذكر أنّ عماد كان عضوًا في مجلس أمناء «ورشة الموارد العربية» منذ نشأتها عام ١٩٨٩، وشارك في بنائها على مستوى الرؤيا والحاكميّة، وفي تصميم البرامج وتطبيقها.
قد لا يغفر لنا عماد إذا لم نذكر أنه كان من عشّاق الشيخ إمام، وكان دربكاتيًّا بارعًا، يملأ سهراتنا في ورشات العمل بالبهجة والهيصة. غادرنا عماد قبل أوانه وترك في بال محبّيه الكُثر فراغًا كبيرًا. إلا أنّ ما يغذّي المودّة الدافئة التي له في قلوبنا أننا نقرأ بصماته أينما نظرنا، في مواردنا وفي الأوجه المضيئة من نتاج أعمالنا.
كنت أتمنّى لو أكون معكم عندما احتفلتم بحياة العمدة عماد وتذاكرتم كم كنّا نحبه ونستمتع بصحبته.
عرفتُ عماد منذ السبعينيّات، ولعلّي أكون أوّل من تعرّف إليه في مجموعتنا! أوّل لقاء انطبع في ذاكرتي كان في أيانابا بقبرص عام ١٩٧٨. كنّا في الدير القديم في ورشة عمل لتطوير برنامج التربية الشعبية الذي اعتمد مقاربة باولو فريري لتعلّم الكبار. كان البرنامج من أعمال «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلّاب» بقيادة طارق متري، منسّق الاتحاد في المنطقة العربية آنذاك. كان معنا في ورشة العمل أمثال المطران غريغوار حدّاد والأخت نبيهة عفيف وألبير أبي عازار ومحمد حجّار، ومن مصر سمير سعد (ثلاثة منهم رحلوا عنّا!). في المسويّة الأولى، تجمّعنا في حلقة أمام غرفة الاجتماعات وطلب المطران منّي أن أغنّي. طالت معي سحبة الغناء قرابة نصف ساعة متواصلة، ثمّ توقفت للحظة أبحث عن الأغنية التالية، فما كان من عماد إلا أن قال: يوسف، لا تتوقف، برَدْنا! أو هكذا يحلو لذاكرتي أن تسجّل… ما كانت الأغنيات الغالبة؟ طبعًا الشيخ إمام وبعض الفيروزيّات ذات المسحة الوطنية. طارق متري إيّاه، الذي كان يتردّد على القاهرة ضمن مهمّاته، كان يحضر جلسات غناء الشيخ إمام مع أحمد فؤاد نجم ومن يحضر (إن لم أكن مخطئًا، غسان كان منهم أحيانًا، إذ كان يدرس الطبّ في جامعة القاهرة، علمًا بأننا لم نكن نعرف بعضنا آنذاك). وقد جلب لنا طارق كاسيتَين مسجَّلَين تسجيلًا بدائيًّا، لكنّهما كانا كافيَين لإدخالنا إلى عالم نجم/إمام الذي يسعى إلى العدالة عبر تعبيرات شعرية وموسيقية تبعث النشوة فينا وتغذّي الالتزام. أذكر ذلك لأذكّر بأنّ عماد أطلق في السنين التي تلت جوقةً اعتمدت أغنيات الشيخ كجزء أصيل من سجلّها.
في إحدى زياراتي إلى مصر بعد أن استقرّيتُ منسّقًا للاتّحاد الطلّابي في شارع المكحول خلفًا لطارق متري عام ١٩٨٢، رحتُ برفقة عماد لملاقاة الشباب في المنيا، وهناك أخذني لزيارة عازف عود متقاعد يصنع أعوادًا لبيعها. كان عماد يسمّيه العم «كذا» (لم أعد أذكر الاسم) ويتردّد عليه للاهتمام به واكتساب معرفة منه. سألني ماذا أغنّي ثمّ عزف ورافقتُه في مقاطع من «يا جارة الوادي». بتشجيعٍ من عماد، اشتريت منه عودًا بسيطًا اقترحه عليّ وله رنّةٌ حلوة، وعدتُ به إلى بيروت. على فكرة، يجب أن لا ننسى أنّ عماد كان دربكاتي درجة أولى (كما هو غانم أيضًا) وكثيرًا ما أدخلَ هرجًا ومرحًا في أمسياتنا. على العكس من ذلك، لم أتقن أنا العزف على العود في النهاية كما تمنّى لي عماد، وبقي أدائي لأغنيات الشيخ على الطبيعة!
استكمالًا لحكاية العود، بعد أن اقتنيتُ عودًا قديمًا، أعطيت عود المنيا لكميل بركة، شابّ من مشغرة كان مليئًا بالأمل ويرغب بإتقان الغناء، لا سيّما الترتيل البيزنطي. وكميل هذا ذهب يومًا إلى بلدته في البقاع للمساهمة في مصالحة بين عوائلها واختفى من دون خبر. كان ذلك عام ٨٣ أو ٨٤. كميل الذي رحل عنّا باكرًا كان من ضمن الحلقات المتعدّدة التي تشابكت خلال الحصار الإسرائيلي لبيروت في صيف ١٩٨٢، ومنهم أيضًا بالنسبة لي طبعًا غانم بيبي وغسان عيسى!
في زيارةٍ أخرى إلى مصر (هذه الزيارات كانت بين ١٩٨٣ و١٩٨٦)، أخذني عماد لملاقاة أحمد عبد الله (رحل عنّا أيضًا وترك حزنًا في قلب عماد). كان عماد يكنّ له مزيجًا من المودّة والتقدير ويقصده لتبادل التحليل والتفكير وتجديد الرؤيا ومعاني الالتزام، وأيضًا المناكفة. كان أحمد يتهكّم بتودّدٍ حول نشاط عماد في العمل الأهلي ليحثّه على العمل السياسي المباشر. طبعًا ذلك لم يثنِ عماد عن مساره كما نعلم كلّنا. كان واثقًا بأنه السبيل الأفضل للبقاء قريبًا من الناس، لا سيّما الشباب، والعمل معهم مباشرةً لاستزادة الوعي والمعرفة وللتطوير نحو الأفضل، وصولًا إلى السياسيّ في الوقت والشكل المناسب. على فكرة، كان في ذلك الوقت يناضل بجرأة داخل «جمعية الصعيد» لإدخال ممارسات تشاركيّة بمواجهة التفرّد بالقرار من قبل قيادة مستقرّة في السلطة.
عندما بادرنا بإطلاق «ورشة الموارد العربية» في أواخر الثمانينيّات، كان من الطبيعيّ أن ندعو عماد للمشاركة في بنائها، في مجلس الأمناء ومن خلال المشاريع، وكان عندئذٍ قد أسّس «رؤى» و«سلامة موسى»…
في مشروع التربية الشعبيّة خلال الثمانينيّات، ولاحقًا في مشروع «أفكار في العمل مع الناس» ضمن الورشة، اعتمدنا أغنية «الطنبور» للشيخ أمام نشيدًا لنا: «وان كنت ناصح وفهمت المقالة، فهّمها يابني للّي ما فهمش. بسيطة: شيل الدنيا لفّ ودور يا طنبور، لمّ شويَّ خلّي الميَّ تغطّي البور يا طنبور! »
عماد صاحب العزيمة والفطرة الصعيديّتين، والمعرفاتي المتمرّس من دون «غلبة»، كان «الطنبور» بامتياز، يشيل ماء المعرفة ويسقي بها البور المتعطّش للنموّ والعطاء.
عماد يا عمدة، ما من حقّك أن تغيب عنّا هكذا قبل أوانك. كثرٌ نحن الذين يفتقدون بصيرتك وحضورك الدافئ. أنا كنت أعد نفسي بحديث طويل معك في اجتماع شبكة الطفولة في عمّان، لأنّ أسئلةً كثيرةً توارد نفسي عن جدوى سعينا طوال هذه السنين، لا سيّما عمّا تؤول إليه الورشة واستراتيجيّاتها وحاكميّتها، ومسؤولياتنا أفرادًا وجماعة في مصيرها. حالت الظروف في السنوات القليلة الماضية دون التلاقي بتواتر، والآن رحتَ وتركتنا. مكانك في البال متوقّد يا عماد، والمحبة محفورة في أخاديد عميقة بعمق سنوات مسعانا المشترك.