لا وداعَ لأثر (وليد أبو سعيفان/ منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا)
وليد أبو سعيفان/ منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا: مدير تطوير البرامج في مؤسسة Digital Opportunity Trust (DOT)
12 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026
حين أفكر بيوسف، أوّل ما يحضرني ليس موقفًا بعينه، ولا جملةً محدّدة قالها يومًا ما، بل حضوره.
كان في حضوره شيء من الطمأنينة؛ هدوء لا يفرض نفسه، وابتسامة تكاد تكون دائمة، وودّ يجعل الحديث معه سهلًا منذ بدايته. بعض الأشخاص لا تحتاج معهم إلى وقت طويل كي تشعر بالراحة، ويوسف كان من هؤلاء. كان يحمل معه هدوءًا خاصًّا وكأنّ الأمور، مهما كانت معقّدة، يمكن دائمًا أن تُناقَش على مهل.
لا أستطيع اليوم أن أستحضر حوارًا محددًا جمعني بيوسف، أو أن أنقل جملةً قالها في لقاء ما. اختلطت التفاصيل مع مرور السنوات، لكن الأكيد أنّ الإحساس بالإنسان بقي واضحًا. بقيت ابتسامته وهدوؤه وتلك الطمأنينة البسيطة التي كان يحملها معه إلى المكان.
وربما في ذلك شيءٌ مهمّ.
نحن لا نتذكر دائمًا ما قاله الناس، ولا تسعفنا الذاكرة على الاحتفاظ بكلّ التفاصيل، لكننا نتذكر جيدًا كيف كان حضورهم بيننا، وكيف كنّا نشعر ونحن نتحدّث إليهم. وبعض الناس يترك في الذاكرة موقفًا، وبعضهم يترك عبارة، وبعضهم يترك شيئًا أصعب على الوصف: أثر.
هذا تحديدًا ما بقي لي من يوسف.
أتذكر أنّ الحديث معه كان سهلًا، وأنه كان يحبّ الأفكار، والأهمّ أنه كان يحبّ تبادلها. لم يكن الحوار معه مجرّد فرصة لقول ما يفكر به، بل مساحة حقيقية للأخذ والردّ، للسؤال والنظر إلى الفكرة من زاوية أخرى. كان يستمع ويناقش ويضيف ويترك للحديث أن يأخذ مساره الطبيعي.
وكان فارق العمر والخبرة بيننا كبيرًا، لكنّي لا أذكر شعوري يومًا بحضور الفارق بيننا في الحديث. لم يكن هناك ذاك الإحساس بأنّ أحدنا يتحدث من موقع المعرفة والآخر يستمع من موقع المتلقّي. كان الحوار معه، ببساطة، حوارًا بين شخصين أمام فكرة تستحقّ النقاش.
وهذه صفة أقدّرها كثيرًا في الناس: أن يحمل الإنسان سنواته وخبرته ومعرفته من دون أن يحوّلها إلى حاجز بينه وبين الآخرين. أن يبقى فضوليًّا وراغبًا في الاستماع، وأن يظلّ قادرًا على الدخول في نقاش حقيقيّ لا يعرف مسبقًا إلى أين سيصل.
هذا ما أتذكره عن يوسف: إنسانًا هادئًا، ودودًا، مبتسمًا، حاضرًا من دون ضجيج. شخصٌ تشعر معه بشيء من الأمان، وتعرف أنّ الحديث يمكن أن يذهب إلى فكرة، ومنها إلى أخرى، من دون استعجال أو استعراض.
ربما، لهذا السبب لا يزعجني كثيرًا أنّي لا أذكر اليوم تفاصيل أحاديثنا.
لقد نسيت الكلمات، لكنني لم أنسَ يوسف.
في النهاية، لعلّ هذا أحد أجمل الآثار التي يمكن أن يتركها إنسان في حياة الآخرين: أن تتلاشى التفاصيل، ويبقى حضوره.