نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

وداعًا للورد الذي تفتّح في جنائن روحك (منى عبّاس/ الأردن)

 

9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026 

منى عبّاس/ الأردن: من مؤسِّسات «الشبكة العربية»، عضوة المجلس الاستشاري للشبكة، والمديرة التنفيذية لـ«مؤسّسة الأصفري»

في زيارتي إلى دمشق صيف ٢٠٢٥، تمشّيت في حارات الشام القديمة، فاستوقفني في أحد الأزقّة المتفرّعة من شارع تلّ الحجارة في حيّ الأمين تمثالٌ للسيدة مريم العذراء. التقطتُ صورةً للزقاق والتمثال وأرسلتها إلى يوسف حجّار. ردّ عليّ بأنه قضى مطلع طفولته في تلك الحارات وأنّ بيت أهله لا يبعد أبدًا عن الزقاق.

تخيّلته طفلًا يجوب تلك الحارات بعينين زرقاوتين فضوليّتين. وتذكّرتُ قصةً رواها لنا حين صادفه راهبٌ من الدّير وطرح عليه سؤالًا يختبر ذكاءه، فأجابه بما أبهره. بعدها اقترح الراهب على والدة يوسف أن يُلحقه بالدّير ليتلقّى تعليمه ويبدأ مساره الكهنوتيّ. من هناك، بدأت حياةٌ حافلةٌ خاضها يوسف، رحلة علمٍ ومغامرةٍ واكتشاف. رحلة تخلّلها العديد من المواقف المبدئيّة والقرارات المصيريّة، تنقّل فيها عبر التجارب والمدن رجلًا صلبًا يؤمن بكرامة الإنسان وقيم العدالة والمحبّة. رحلةٌ تكون فيها بيروتُ مدينةَ الرفاق والأصدقاء وتشكيل الوعي والمواقف والمبادئ. وتبقى دمشقُ مدينةَ الروح، التي كما قال لي مرّةً، يمشي في طرقاتها القديمة مثلما لا يمشي في أيّ طريق آخر ولا أيّ مدينة أخرى.

لكنّ يوسف لم يكن فقط صاحب سيرة غنيّة، بل امتلك قدرةً استثنائيّةً على تحويل ما عاشه إلى رؤية. كان له عقلٌ متّقد، وعينٌ ترى الفرص حيث قد لا نراها نحن، ونظرةٌ استراتيجيّةٌ تربط بين الأشخاص والأحداث والقرارات، وتبحث دائمًا عمّا يمكن أن تفتحه لحظةٌ ما من إمكانات للمستقبل.

أفتقد، وسنفتقد جميعًا، هذه القدرة على رؤية ما وراء العمل المباشر. كان يوسف يرى في إخلاصنا لقضيّتنا الكبرى، قضية الطفولة المبكّرة، أكثرَ من مجرّد عمل في قطاع أو برنامج. لقد أدرك صلتها بأسئلة أوسع عن الإنسان وكرامته وحقوقه، وعن العدالة والمجتمع الذي نريد أن نبنيه. وفي كلّ عمل يخوضه، كان يرى جزءًا من صورة أكبر، ينسج خيوطها بهدوء بين العلاقات والأفكار والقرارات والأحداث، ليترك لنا دومًا فسحةً من الأمل.

ربّما كان هذا أحد أجمل ما تعلّمناه منه: أن لا نفقد الصورة الكبرى بينما ننشغل بالتفاصيل، وأن نعرف دائمًا لماذا نفعل ما نفعل، وأن نتمسّك بالفكرة حتى عندما تطول الطريق إليها.

(خلال المنتدى الإقليمي الأول للشبكة العربية، القاهرة، 2023) 

كانت حياة يوسف الشخصية، بكلّ ما حملته من تجارب ومعارف وصداقات، ممتدّة في عمله ضمن الفضاء العام. لم يفصل بين ما عاشه وما آمن به، ولا بين المعرفة والموقف، ولا بين التجربة والقضية. حمل كلّ ذلك معه، وحوّله إلى معنى وموقف وعمل، وفتح من خلاله مساحات التقى فيها الآخرون معه وتأثروا به.

بعد رحيله، لن تكون هذه المساحات كما كانت. سنفتقد عقله المتّقد وأسئلته وقدرته على أن يرى أبعد منّا بقليل، وأن يذكّرنا بأنّ ما نفعله اليوم يمكن أن يكون جزءًا من شيء أكبر غدًا. سنفتقد أيضًا حضوره الإنساني، ودفء صداقته، والطريقة التي كان يحوّل بها النقاش إلى فكرة، والفكرة إلى احتمال، والاحتمال إلى أمل.

وداعًا للورد الذي تفتّح في جنائن روحك يا يوسف… الورد اللّي فتّح في جناين مصر.

لطالما أحببتَ تلك الأغنية للشيخ إمام، وكنت تشدو بها في لقاءاتنا، حتى أصبحت فقرةً ثابتةً كلّما التقينا، ننتظرها ونبتسم لها ونردّدها معك. لم أكن أعرف أنني سأشتاق يومًا إلى سماعها منك، وأنها ستصبح واحدةً من الذكريات الصغيرة التي تحمل حضورك بعد غيابك.

وردٌ من المحبّة والإخلاص للفكرة، ومن الإيمان بعدالتها، نثرته نورًا في طريقنا وفي قلوبنا.

وداعًا يا يوسف.
سوف تبقى في الطرقات التي مشيتَ فيها، وفي المدن التي أحببت، وفي الأسئلة التي تركتها لنا، وفي الخيوط التي نسجتها بين الناس والأفكار والقضايا.

وسوف تبقى، قبل كلّ شيء، في تلك المساحة التي فتحتها لنا من الأمل.