نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

يوسف حجّار: قيادةٌ حملت رسالةً وتركت أثرًا

 

إلسي وكيل/ منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا: الأمينة العامّة لـ«البيت العربي لتعلّم الكبار والتنمية»
9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2026 

أذكر جيدًا المرّة الأولى التي التقيت فيها يوسف حجّار، وكان ذلك في باريس خلال اجتماع لـ«الحملة العالميّة للتعليم». كنت قد سمعت عنه كثيرًا من أصدقائي، وعن دوره في «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلبة»، وعن الأفكار والمبادرات والإنجازات التي ارتبطت بمسيرته. لذلك كان لقائي الأول به يحمل بالنسبة إليّ شيئًا من الفضول والتقدير المسبق. وكان لي شرف أن أتعرّف إليه شخصيًّا، وأن أكتشف عن قرب الإنسان الذي كنت أسمع عنه، وأتعرّف إلى تجربته وإنجازاته وأستمع إلى أفكاره. ومنذ ذلك اللّقاء، لم يعد يوسف بالنسبة إليّ مجرّد اسم أو شخصية سمعت عنها من الأصدقاء، بل أصبح إنسانًا عرفته والتقيته، وبقي حضوره وصورته واهتمامه بالعمل المسكوني والإنساني حاضرًا في ذاكرتي.

مع مرور الوقت، ازداد تقديري لمسيرة يوسف وللدّور الذي اضطلع به في «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلبة» في إقليم الشرق الأوسط حيث كان يتولّى منصب السكرتير الإقليمي. وقد ارتبط اسمه بمرحلة مهمّة من تاريخ الاتّحاد وبرامجه، وبالمسؤوليات القيادية التي اضطلع بها، والتي لم يتعامل معها بوصفها مجرّد مواقع إداريّة أو تنظيميّة، بل باعتبارها مسؤولية تجاه رسالةٍ آمن بها، وتجاه أجيالٍ من الشباب الذين كان يرى فيهم طاقةً أساسيّةً لصناعة المستقبل.

شكّلت قيادة يوسف للاتّحاد مرحلةً لافتةً في مسيرته. كان يرى في برامج الاتّحاد وأنشطته ولقاءاته فرصًا حقيقيّةً للحوار والتفاعل، وتعزيز روح التعاون والانفتاح، وإعطاء الشباب مساحةً للتعبير والمشاركة وتحمّل المسؤولية. من هنا جاءت أهمية حضوره القياديّ، إذ لم تكن القيادة بالنسبة إليه سلطةً أو موقعًا، بل مسؤولية ورسالة وعمل يومي يتطلّب الإصغاء والمبادرة والقدرة على جمع الناس حول أهداف مشتركة.

ولعلّ ما يميّز تجربة يوسف في الاتّحاد أنه استطاع أن يجمع بين الاهتمام بالرسالة والاهتمام بالناس، فالبرامج، مهما بلغت درجة أهميّتها، لا تعيش من تلقاء نفسها، إنّما يحييها الأشخاص الذين يؤمنون بها ويعملون من أجلها. ويوسف كان من أولئك الذين أدركوا أنّ نجاح أيّ مؤسّسة يعتمد إلى حدّ كبير على قدرتها على بناء العلاقات، وخلق بيئة يشعر فيها كلُّ شخصٍ بأنه جزءٌ من عملٍ أكبر منه، وأنّ مساهمته ذات قيمةٍ ومعنًى.

خلال فترة قيادته للاتّحاد وبرامجه، ارتبط حضوره بهذا الفهم للعمل الجماعي. لم يكن الهدف مجرّد تنفيذ برنامج أو إنجاز نشاط، بل كان الأهم أن يبقى للبرنامج أثر في الأشخاص الذين شاركوا فيه، وأن تتحوّل اللقاءات إلى مساحات للتعارف والتفكير وتبادل الخبرات، وأن يستمرّ ما بدأ ضمن الاتّحاد في حياة المشاركين وفي مجتمعاتهم.

إنّ هذا الجانب من شخصيّة يوسف يفسّر، في رأيي، لماذا بقي حضورُه في ذاكرة كثيرين ممّن عرفوه أو عملوا معه. فالأشخاص الذين يتركون أثرًا حقيقيًّا في المؤسسات ليسوا بالضرورة أولئك الذين يتذكّر الناس أسماء مواقعهم ومسؤوليّاتهم، بل أولئك الذين يتذكّرون كيف جعلوهم يشعرون، وكيف شجّعوهم، وكيف فتحوا أمامهم أبوابًا جديدةً للتعلّم والمشاركة، وكيف جعلوا العمل المشترك أكثر إنسانية وأقرب إلى القلب.

بهذا المعنى، كان يوسف صاحبَ حضورٍ يتجاوز حدودَ الوظيفة أو المسؤولية. لقد شكّلت القيادة التي مارسَها في الاتّحاد جزءًا من شخصيّته ومن نظرته إلى العمل العامّ. لقد آمن بأنّ المؤسّسات لا تقوى بأنظمتها وبرامجها فقط، إنّما بالأشخاص الذين يحملون رسالتها بصدق، وبالعلاقات الإنسانيّة التي تنشأ داخلها وتستمرّ بعد انتهاء المسؤوليات.

إنّ الحديث عن يوسف اليوم يفتح أيضًا بابًا للحديث عن جيل كامل من العاملين في المؤسسات الشبابيّة والمدنيّة، الذين آمنوا بأنّ الحوار بين الناس والثقافات والتقاليد المختلفة يمكن أن يكون وسيلةً لبناء عالمٍ أكثر انفتاحًا وتفاهمًا. وفي هذا السياق، كانت تجربة يوسف في «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلبة» جزءًا من مسار أوسع يقوم على الإيمان بالشباب، وعلى منحهم الثقة والمساحة والمسؤولية، وعلى اعتبارهم شركاء حقيقيّين في صناعة المستقبل، لا مجرّد متلقّين للبرامج والمبادرات.

لقد كان الاتّحاد، بالنسبة إلى يوسف، أكثرَ من مؤسسة يعمل فيها. كان مساحةً يلتقي فيها الناس والأفكار والتجارب، وميدانًا لممارسة قيم التعاون والتضامن والانفتاح. لذلك لا يقاس أثره في الاتّحاد بما تَحقّق خلال فترة قيادته فحسب، إنّما أيضًا بما تركه من علاقات وذكريات وتجارب في نفوس الذين شاركوه تلك المرحلة.

وحين نودّع اليوم يوسف حجّار، فإنّنا لا نودّع فقط قائدًا تولّى مسؤوليةً في الاتّحاد، بل نودّع صديقًا وزميلًا وإنسانًا أعطى جزءًا مهمًّا من حياته لقضيّةٍ آمن بها. إنّ فقدان الأشخاص الذين عملوا من أجل قيمٍ يؤمنون بها يترك فراغًا لا تملؤه الكلمات بسهولة، لأنّ ما يبقى منهم ليس مجرّد سجلٍّ من الأعمال والإنجازات، بل ذاكرة حيّة لدى الأشخاص الذين شاركوهم الطريق.

ويوسف من أولئك الذين تبقى ذكراهم من خلال الناس. تبقى في من عملوا معه، واستفادوا من برامجه، والتقاهم خلال مراحل مختلفة من مسيرته، وفي العلاقات التي بناها خلال سنوات العمل والعطاء. وربّما كان هذا هو المعنى الأجمل لأيّ مسيرة إنسانية: أن تستمرّ آثارها في الآخرين حتى بعد أن يغيب صاحبها.

ومن موقعي الشخصي، أشعر اليوم بأنّ رحيل يوسف يعيد إلى الذاكرة صفحات كثيرة من تاريخ الاتّحاد ومسيرته، ويذكّرنا بأشخاص أعطوا من وقتهم وفكرهم وطاقتهم من أجل أن تبقى هذه المساحات مفتوحةً أمام الشباب، وأن تبقى قيم الحوار والتعاون والتضامن حاضرةً في حياتنا. وكان يوسف واحدًا من الذين حملوا هذه المسؤولية بجدّية وإيمان.

لكلّ هذه الأسباب، لا يكون الوفاء ليوسف في رثائه أو استعادة ذكراه فحسب، بل في التمسّك بالقيم التي عمل من أجلها أيضًا: الإيمان بأهمّيّة الشباب، والحوار بين المختلفين، والعمل الجماعي، والمؤسسات التي تضع الإنسان في مركز رسالتها. وفي أن نتذكّر أنّ القيادة الحقيقيّة ليست في الموقع الذي يشغله الإنسان، بل في الأثر الذي يتركه بعد أن يغادر.

رحم الله يوسف حجّار، ومنح عائلته وأصدقاءه وكلّ من عرفه القوّة والصبر في هذا الفقد. وسوف تبقى ذكراه، بالنسبة إلينا، مرتبطةً بمرحلةٍ من العمل والعطاء في «الاتّحاد العالمي المسيحي للطلبة»، وبإنسانٍ حمل مسؤولية القيادة بإخلاص، وآمن برسالة العمل المشترك، وترك وراءه أثرًا يستحقّ أن نتذكّره ونحفظه.