2025: ذروة انتهاكات حقوق الطفل
4 شباط/ فبراير 2026
إعداد: «قسم الإعلام والتواصل في الشبكة العربية للطفولة المبكّرة»
شهد عام 2025 تحدّيات تكاد تكون الأعنف في تاريخنا الحديث وضعت حقوقَ الأطفال الصغار على المحكّ. ملايين الأطفال واجهوا تبعات أزماتٍ متعدّدة الأبعاد، تتجلّى في الحروب والصراعات وأزمات الغذاء والمناخ واللامساواة بأشكالها كافّة. وكان الوقع الأكبر على الأطفال في البلدان منخفضة أو متوسّطة الدخل، والتي يُعتبر أطفالها الأكثر هشاشةً وفقرًا، خصوصًا في البلدان العربية، من قطاع غزّة إلى الضفة الغربية المحتلّة/ فلسطين وسوريا ولبنان واليمن وصولًا إلى السودان والصومال، والتي سُلبت فيها أبسط مقوّمات الطفولة الآمنة. ومع ذلك، انبثقت بارقة أمل في تضافر جهود العمل الإنساني والعلمي والأكاديمي المعني بقطاع الطفولة المبكّرة، إقليميًّا على المستوى العربي، وعالميًّا.
2025: ذروة انتهاكات حقوق الطفل
خلال العام 2025، وُلد حوالي ثمانية ملايين طفل في مناطق تشهد صراعات ونزاعات وكوارث مناخيّة. وقد وضع العديد من الأمّهات مواليدهنّ داخل خيام، أو في مخيّمات نزوح تفتقر إلى التجهيزات اللّازمة، أو في مجتمعات ضربتها الكوارث، وذلك بحسب منظّمة «أنقذوا الأطفال».
وشهد العام الماضي انتهاكاتٍ جسيمةً لحقوق الأطفال طالت الملايين ووصفتها الأمم المتّحدة بالذروة غير المسبوقة. وتنوّعت الانتهاكات بين القتل والتشويه والتجنيد والاختطاف والعنف الجنسي والافتقار إلى التعليم والحماية والرعاية الطبية. كما أدّى النقص العالميّ في تمويل المساعدات الإنسانية إلى تفاقم الوضع سوءًا. وعليه، استبعدت «اليونيسف» حصول تحسّن في الأفق نظرًا إلى الحروب والأزمات الحاليّة.
على المستوى الغذائي، لا تدعو الصورة إلى التفاؤل مع الانخفاض الحادّ في تمويل المؤسسات الدولية المعنيّة بهذا الشأن وعلى رأسها «برنامج الأغذية العالمي»، ما يترك ملايين الأطفال المعتمدين على مساعدات البرنامج على المحكّ. في السياق، كانت «اليونيسف»، بناءً على أرقام الأمم المتّحدة، قدّمت صورةً عن حجم المعاناة خلال العام الماضي: حوالي 43 مليون طفل دون سنّ الخامسة في العالم عانوا من سوء التغذية الحادّ و150 مليونًا من سوء التغذية المزمن.
للدّلالة على عمق الأزمة، شهد العام 2025، وللمرّة الأولى، تأكيدَ حدوث مجاعتَين في بلدَين خلال عامٍ واحد هما السودان وقطاع غزّة/ فلسطين. وبحسب توصيف «اليونيسف»، المجاعتان من صنع الإنسان، وهما ناتجتان عن الحرب والصراعات.
في قطاع غزّة الذي أًعلنت فيه المجاعةُ العام الماضي وشهد وفاة رضّع وأطفال وكبارٍ في السنّ نتيجة التجويع وسوء التغذية، ما زال الوضع هشًّا للغاية، وما زالت أعدادٌ كبيرةٌ من الأطفال والأمّهات والمرضعات يعانون الجوع، من بينهم 100 ألفٍ يعانون من انعدامٍ حادّ في الأمن الغذائي، بحسب «اليونيسف». والسبب، امتناع الاحتلال الإسرائيلي عن إدخال المساعدات اللازمة وفق المرحلة الأولى من اتّفاق وقف إطلاق النار. ونتيجةً لسوء التغذية وضعف المناعة، مع النقص الحادّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، سجّل القطاع وفيّات بالحمّى الشوكيّة (التهاب السحايا) بين الأطفال، على الرغم من التقدّم النسبيّ الذي كان أُحرز في بعض المجالات بُعيد عقد الاتّفاق، ومنها الصحية والتغذويّة.
يأتي هذا بينما يستمرّ استشهاد الأطفال في غزّة بقصف إسرائيليّ إمّا على ما تبقّى من المنازل وخيم اللّجوء أو خلال إحضار المساعدات، وإمّا بردًا أو غرقًا نتيجة الدمار الكامل للمنازل وافتقار خيم اللّجوء إلى الحماية اللازمة. وقد تجاوز عدد هؤلاء الـ100 حتى تاريخه. كما يستمرّ التهجير القسريّ، وتتفاقم الأوضاع الصحية سوءًا، وما زال مئات الآلاف خارج المدارس على الرغم من المبادرات الإنسانية والأهلية التي تحاول تعويض الأطفال عن بعضٍ ممّا فاتهم.

أطفال فلسطينيون نازحون يحضرون حصة دراسية في «روضة طيبة»، مركز تعليمي يديره متطوعون تضرر جزئيًّا جراء الغارات الإسرائيلية في خان يونس. تأسست «روضة طيبة» على يد معلّمين متطوّعين لتوفير التعليم الأساسي للأطفال النازحين الذين انقطعوا عن الدراسة لما يقرب من عامين بسبب تدمير المدارس خلال الحرب. الصورة لوكالة الأنباء الألمانية عبر غيتي. 28 كانون الثاني/ يناير 2026.

طفلة فلسطينية داخل مبنًى آيل إلى السقوط في خان يونس بقطاع غزة/ فلسطين. يواجه القطاع أزمة المباني المتضرّرة والقابلة للانهيار وقد استشهد عددٌ من الفلسطينيين، بينهم أطفال بسبب انهيار مبانٍ. الصورة: وكالة الأناضول عبر غيتي. 11 كانون الثاني/ يناير 2026.

طفل يقطف الزهور من حقل بالقرب من مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين شمال دير البلح وسط قطاع غزة في 29 كانون الثاني/ يناير 2026. الصورة: وكالة فرانس برس عبر غيتي.
أما في السودان، فقد لخّصت رئيسةُ قسم الاتّصال في «اليونيسف» حجمَ الكارثة، بعد أن قضَتْ في دارفور عشرة أيّام قائلةً:
«حتى مع سنوات من الخبرة في العمل في حالات الطوارئ، كان ما شهدته مختلفًا عن أي شيء رأيته من قبل. لقد أدّى حجم النزوح وتجزئة الصراع وانهيار الخدمات الأساسية إلى وضعٍ يعيش فيه كلّ طفل على حافة الهاوية».
في السودان، ما زال الأطفال يُقتلون ويصابون ويتعرّضون لانتهاكات، منها الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والذي يُستخدم أسلوبًا من أساليب الحرب، مع وجود أطفال لا تتجاوز أعمارهم عامًا واحدًا بين الناجين. وما زالت أزمة النزوح داخليًّا ونحو الخارج تتفاقم، إذ أشارت «اليونيسف» إلى إجبار أكثر من 5 ملايين طفل على ترك منازلهم، أي ما يعادل خمسة آلاف طفل نازح يوميًّا، مع تسجيل نزوح متكرّر وهجوم وعنف أثناء تنقّلهم.
على المستوى الغذائي، يعيش السودان أسوأ أزمة جوع في العالم. تقدّر «اليونيسف» أنْ يواجه 21 مليون شخص انعدامًا حادًّا في الأمن الغذائي خلال العام الحالي. وتشكّل ولاية شمال دارفور بؤرة هذه الأزمة، مع وجود مئات آلاف الأطفال الذين يفتقرون إلى الرعاية الغذائية والصحية اللّازمة على الرغم من جميع الخدمات الصحية المقدّمة خلال العام الماضي. وتشير «اليونيسف» إلى أنّ انهيار النظم الصحية، والنقص الحادّ في المياه، وتعطّل الخدمات الأساسية يؤدّي إلى تفاقم الأزمة، ممّا يغذّي تفشّي أمراض قاتلة ويعرّض ما يُقدَّر بـ3.4 ملايين طفل دون سنّ الخامسة إلى الخطر.
أمّا على المستوى التعليمي، فقد انقطع ثمانية ملايين طفل في البلاد، أي ما يعادل 50% من الأطفال في سنّ الدراسة، عن التعليم لمدة 500 يوم منذ اندلاع الحرب في نيسان/ أبريل 2023، بحسب منظّمة «أنقِذوا الأطفال».
باختصار، تتوقّع «اليونيسف» أن يحتاج حوالي ثلث سكّان السودان، أي حوالي 33,7 مليون نسمة، إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال العام 2026. نصف هؤلاء من الأطفال، أي حوالي 17 مليون طفل. وتضيف أنّ وصول السكان المتضرّرين إلى المساعدات المنقذة للحياة ما زال مقيّدًا بشكل خطير في أجزاء كبيرة من البلاد، ممّا يفاقم الأزمة الإنسانيّة.

(السودان. تصوير: وكالة رويترز)
أمّا لبنان فما زال أطفاله ومقدّمو/ات الرعاية فيه يعانون بدورهم من أزماتٍ متعدّدة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وصحية وغذائية وتعليمية، على الرغم من بعض مؤشرات التحسّن مع دخول العام الجديد.
بحسب «اليونيسف»، يحتاج 1.3 مليون طفل في لبنان إلى مساعدات خلال العام 2026. ويفاقم القصفُ الإسرائيليّ المستمرّ للأراضي والبيوت وكذلك البيوت المؤقّتة، خصوصًا في جنوب البلاد، من الأزمات، فبعد عامٍ على اتفاق وقف إطلاق النار وسقوط مئات الشهداء، بينهم أطفال، ومئات الجرحى، بينهم أكثرُ من مائة طفل، ما زال عشرات الآلاف من الأسر والأطفال مهجّرين أو غير قادرين على استعادة حياتهم بشكل طبيعي، ما يهدّد للعام الثاني على التوالي العام الدراسي ويؤثّر على الصحة النفسية.
إلى ذلك، يدخل لبنان عامه الجديد مع أمن غذائيّ ما زال هشًّا وعاليَ التأثّر بالصدمات أو الأزمات. ويتوّقع تحليل لـ«برنامج الأغذية العالمي» ارتفاعَ نسبة الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحادّ في لبنان بين نيسان/ أبريل وتموز/يوليو 2026 لتبلغ 18% من السكان. كما تواجه المجتمعات المحليّة نقصًا في المياه مرتبطًا بتغيّر المناخ والأضرار الناجمة عن الحرب، ما يعرّض السكان والأطفال إلى مخاطر متزايدة للإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه. كما تحذّر «اليونيسف» من انخفاض معدّلات تلقيح الرضّع، مشيرةً إلى أنّه مع نهاية عام 2025 بلغت نسبة التغطية باللّقاح ضدّ الحصبة 67%، ما يزيد من مخاطر تفشّي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللّقاحات.

مشهد للدمار بعد الهجوم الإسرائيلي على بلدة قنّاريت في صيدا جنوب لبنان، في 22 كانون الثاني/ يناير 2026. (تصوير: فضل عيتاني / نور فوتو عبر غيتي.
أعلى معدّلات فقر لأصغر أطفال العالم
نهاية العام الماضي، نشرت «اليونيسف» تقريرًا أوردت فيه أرقامًا مقلقة لناحية الأثر الذي يخلّفه الفقر على الأطفال الصغار. تقول المنظّمة إنّ قرابة خُمس أطفال العالم يعيشون في فقرٍ مُدقع، مشيرةً إلى أنّ احتمال أن يعيش الأطفال في فقرٍ مُدقع يفوق ضعفه لدى البالغين.
في الأرقام، 22.3% من الأطفال بين أعمار (0- 4 سنوات) كانوا يعيشون في فقرٍ ماليّ مُدقع خلال 2024 مقابل 14.9% لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا. أمّا نصف الأطفال الذين يعيشون في أوضاع هشّة ومناطق متضرّرة من النزاعات يعانون من الفقر المدقع مقابل 11.4% من الأطفال خارج تلك المناطق.
وفي البلدان منخفضة ومتوسّطة الدخل، يعاني أكثر من 1 من كلّ 5 أطفال (417 مليون طفل) من حرمان شديد في المجالات الآتية: التعليم والصحة والسكن والتغذية والصرف الصحي والمياه. وتحوز المناطق الريفية على النسبة الأعلى من الأطفال الفقراء (79%). كما أنّ الأطفال ذوي الإعاقة معرّضون للعيش في فقرٍ مدقع أكثر بكثير من الأطفال الآخرين نظرًا إلى ارتفاع كلفة الرعاية.
تغيّر المناخ: نقطة اللّاعودة والأطفال الصغار
سجّل عام 2025 واحدًا من أحرّ عامَين في تاريخ السجلّات المناخيّة، متجاوزًا متوسّطَ الحرارة العالمي على عتبة 1.5 درجة مئويّة طوال العالم، مع ارتفاع التحذيرات من الوصول إلى نقطة اللاعودة.
يشكّل الأطفال الصغار الفئة الأكثر تضرّرًا من هذه الظواهر الجويّة المتطرّفة والتي تصاحبها فيضانات وموجات حرّ وحرائق، ما يسبّب نزوحًا قسريًّا لملايين الأطفال. بحسب «اليونيسف»، كلّ عام يواجه 4 من كلّ 5 أطفال خطرًا واحدًا على الأقلّ بسبب هذه الظروف. هذه الأرقام سترتفع خلال الربع المقبل من القرن بشكل كبير جدًّا، ما يضع العالم أمام مسؤوليات وتحدّيات مضاعفة. أمّا الأطفال الأكثر فقرًا فهم الأكثر عرضةً لهذه المخاطر.
دعامة العمل والسياسات
على الرغم من التحدّيات المَهولة التي واجهها قطاع الطفولة المبكّرة في العالم عمومًا، وفي البلدان العربية تحديدًا، والتي ألقينا الضوءَ على جزءٍ يسيرٍ منها، إلا أنّ هذا القطاع، وبفضل الجهود المبذولة، والتي شكّلت «الشبكة العربية للطفولة المبكّرة» والشركاء دعامتها الأساسيّة في المنطقة، حمل إنجازاتٍ عكست إرادةً صلبةً للتغيير، وعلى رأسها سياسات تنمية الطفولة المبكّرة المرتبطة مباشرةً بإيكولوجيا الأطفال الصغار. وقد تجلّى ذلك في نطاقات عدّة يستمرّ العمل عليها خلال العام الحاليّ والأعوام المقبلة، منها القفزات النوعية لنسب تمدرس الأطفال، ومأسسة معايير الجودة في دور الحضانة ورياض الأطفال، والاهتمام بالصحة النفسية للأطفال والأهل ومقدّمي/ات الرعاية، والاهتمام بالوالديّة ودمج الآباء في الرعاية، وتطوير الأنظمة الصحية الرقمية وكذلك بحوث الطفولة المبكّرة خلال الأزمات كي تكون دعامةً للسياسات الوطنيّة الخاصّة بهذا القطاع.